حكم الفصل بين المضمضة والاستنشاق في الوضوء

حكم الفصل بين المضمضة والاستنشاق في الوضوء

 

145 جامع الأجوبة الفقهية
مجموعة ناصر الريسي وسعيد الجابري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين وحكام الإمارات ووالديهم ووالدينا والمسلمين جميعا).

بلوغ المرام


47 – وَعَنْ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.

48 – وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلاثًا، يُمَضْمِضُ وَيَنْثُرُ مِنَ الْكَفِّ الَّذِي يَاخُذُ مِنْهُ الْمَاءَ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

49 – وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَةِ الْوُضُوءِ: ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفِّ وَاحِدٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلاثًا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
—–

مسألة 1:

الجمع بين المضمضة والاستنشاق في كف واحد

– مشاركة مجموعة ناصر الريسي:

اختلف علماء أهل السنة في المضمضة والاستنشاق في الجمع أم الفصل؟ على قولين:

– الأول: أن يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهو مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وعليه أكثر أصحاب الشافعية.

– الثاني: السنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، اختاره ابن رشد من المالكية، وهو المنصوص عن الشافعي، ورجحه النووي، والعراقي، وهو المشهور من مذهب الحنابلة.

انظر: الهداية (1/ 23)، البحر الرائق (1/ 22)، المنتقى شرح الموطأ (1/ 45)، والخرشي (1/ 134)، المجموع (1/ 397)، طرح التثريب (2/ 53)، كشاف القناع (1/ 93)، المغني لابن قدامة (1/ 169،170)

– قال النووي في المجموع (1/ 397): ” اتفق نص الشافعي والأصحاب على أن سنتهما تحصل بالجمع والفصل على أي وجه أوصل الماء إلى العضوين، واختلف نصه واختيار الأصحاب في الأفضل من الكيفيتين، فنص الأم ومختصر المزني أن الجمع أفضل، ونص البويطي أن الفصل أفضل” ثم قال: وأما الجمهور الذين حكوا قولين، فاختلفوا في أصحهما، فصحح المصنف -يقصد الشيرازي صاحب المهذب- والمحاملي في المجموع، والروياني والرافعي وكثيرون الفصل. وصحح البغوي والشيخ نصر المقدسي وغيرهما الجمع. هذا كلام الأصحاب”.
وقال رحمه الله: ” والصحيح بل الصواب تفضيل الجمع (يعني بين المضمضة والاستنشاق) للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه”.

أدلة القول الأول: وهو الفصل بين المضمضة والاستنشاق

– الدليل الأول:
عن طلحة، عن أبيه، عن جده قال: دخلت يعني على النبي – صلى الله عليه وسلم -، وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. اخرجه أبو داود برقم (139)

والحديث ضعيف في إسناده ليث بن أبي سليم، قال فيه الحافظ: صدوق، اختلط جداً فلم يتميز، فترك، وفي إسناده طلحة، لم ينسب، فلم تعرف عينه، فقيل: هو طلحة بن مصرف، وقيل: غيره.

وأجيب عنه بثلاثة أجوبة:
الأول: أنه ضعيف.
الثاني: أن المراد: تمضمض، ثم مج، ثم استنشق، أي ولم يخلطهما.
الثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وكان هذا منه – صلى الله عليه وسلم – مرة واحدة؛ لأن لفظه عند أبي داود: دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم -، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. وهذا لا يقتضي أكثر من مرة.
قال النووي في المجموع (1/ 398).: وأما الفصل فلم يثبت فيه حديث أصلاً، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف، وهو ضعيف. وقال أيضاً: فلا يحتج به لو لم يعارضه شيء, فكيف إذا عارضه أحاديث كثيرة صحاح؟. انتهى

– الدليل الثاني:
من النظر، أن الفم والأنف عضوان مستقلان، فكان القياس أن المتوضئ لا ينتقل إلى عضو آخر حتى يفرغ من العضو الذي قبله، فلا ينتقل إلى الأنف إلا بعد الفراغ من الفم، كسائر أعضاء الوضوء.
وأجيب: بأنهما وإن كانا في الحس عضوين إلا أنهما عضوان في عضو واحد، وهو الوجه، وحتى مع التسليم أنهما عضوان مستقلان حساً، فالشرع حكم لهما بأنهما عضو واحد حكماً، وإنما تلقينا صفة المضمضة والاستنشاق من السنة الصحيحة، فلا دخل للنظر فيهما وقد ورد النص، والله أعلم.

– الدليل الثالث:
استدل بعضهم ببعض الأحاديث المجملة، كقوله: «فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً» من أن ظاهرها الفصل بين المضمضة والاستنشاق.

وأجيب: بأن هذه الأحاديث مجملة، تحتمل الفصل وتحتمل الجمع، والمجمل يحمل على المبين والمفصل كما في حديث عبد الله بن زيد، وحديث ابن عباس وحديث علي رضي الله عنهم أجمعين.

أدلة القول الثاني وهو الجمع بين المضمضة والاستنشاق:

– الدليل الأول:

عن عمرو بن يحيى، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي – صلى الله عليه وسلم -، فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم، فكفأ على يديه فغسلهما ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات من ماء. الحديث. وقد رواه مسلم من هذا الطريق إلا أنه قال: فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث غرفات (متفق عليه، البخاري (192)، ومسلم (235)).
وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى به، بلفظ: فمضمض واستنشق من كف واحدة.
قال الحافظ: واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة.
وقال ابن القيم: لم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة. اهـ. انظر: زاد المعاد (1/ 192).

– الدليل الثاني:
عن ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه، أخذ غرفة من ماء فمضمض بها واستنشق، ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بهما وجهه، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح برأسه، ثم أخذ غرفة من ماء فرش على رجله اليمنى حتى غسلها ثم أخذ غرفة أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يتوضأ. أخرجه البخاري (140)

وجه الاستدلال: إذا كان – صلى الله عليه وسلم – قد أخذ غرفة من ماء للمضمضة والاستنشاق، فلا يمكن أن تكون هناك صفة إلا صفة واحدة هي الوصل بين المضمضة والاستنشاق، ولا يمكن الفصل في هذه الحالة والغرفة واحدة.

– الدليل الثالث:

عن عبد خير قال: جلس علي بعد ما صلى الفجر في الرحبة، ثم قال لغلامه: ائتني بطهور فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست. قال عبد خير: ونحن جلوس ننظر إليه، فأخذ بيمينه الإناء، فأكفأه على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، ثم أخذ بيده اليمنى الإناء فأفرغ على يده اليسرى، ثم غسل كفيه، فعله ثلاث مرار، قال عبد خير: كل ذلك لا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، فمضمض، واستنشق ونثر بيده اليسرى فعل ذلك ثلاث مرات. الحديث.

واجيب عن هذه الأدلة بأجوبة منها:
أنه ربما فعل ذلك لبيان الجواز.
ورد هذا: بأن روايات الجمع كثيرة من جهات عديدة وعن جماعة من الصحابة, ورواية الفصل واحدة وهي ضعيفة, وهذا لا يناسب بيان الجواز في الجمع , فإن بيان الجواز يكون في مرة ونحوها ويداوم على الأفضل, والأمر هنا بالعكس.
الثاني: قالوا: إن معنى تمضمض واستنشق من كف واحد: أي لم يستعن باليدين مثل ما يفعل في غسل الوجه، أو معناه فعلهما باليد اليمنى، فيكون ردا على من يقول: الاستنشاق باليسرى ; لأن الأنف موضع الأذى، كموضع الاستنجاء. انظر: تبيين الحقائق (1/ 4).

– قال العيني في عمدة القاري (4/ 79):

“فيه الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة وهو حجة للشافعية في أحد الوجوه فيهما … وفي الجواهر للمالكية حكى ابن سابق في ذلك قولين أحدهما يغرف غرفة واحدة لفيه وأنفه والثاني يتمضمض ثلاثا في غرفة ويستنشق ثلاثا في غرفة فقال وهذا اختيار مالك والأول اختيار الشافعي وفي المغني للحنابلة وهو مخير بين أن يتمضمض ويستنشق ثلاثا من غرفة أو بثلاث غرفات فإن عبد الله بن زيد روى عن النبي مضمض واستنشق ثلاثا ثلاثا من غرفة واحدة وروى الأثرم وابن ماجة أن رسول الله توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد وإن أفرد لكل عضو ثلاث غرفات جاز لأن الكيفية في الغسل غير واجبة …

قلت احتج أصحابنا الحنفية فيما ذهبوا إليه بما رواه الترمذي حدثنا هناد وقتيبة قالا حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية قال رأيت عليا رضي الله تعالى عنه توضأ فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه مرة ثم غسل قدميه إلى الكعبين ثم قام فأخذ فضل طهوره فشربه وهو قائم ثم قال أحببت أن أريكم كيف كان طهور رسول الله وقال هذا حديث حسن صحيح فإن قلت لم يحك فيه أن كل واحدة من المضامض والاستنشاقات بماء واحد بل حكي أنه تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا قلت مدلوله ظاهرا ما ذكرناه وهو أن يتمضمض ثلاثا يأخذ لكل مرة ماء جديدا ثم يستنشق كذلك وهو رواية البويطي عن الشافعي فإنه روى عنه أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق وفي رواية غيره عنه في الأم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف ثالثة يتمضمض بها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق واختلف نصه في الكيفيتين فنص في الأم وهو نص مختصر المزني أن الجمع أفضل ونص البويطي أن الفصل أفضل ونقله الترمذي عن الشافعي قال النووي قال صاحب المهذب القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي وهو أيضا أكثر في الأحاديث الصحيحة والجواب عن كل ما روى من ذلك أنه محمول على الجواز وقال المرغيناني لو أخذ الماء بكفه وتمضمض ببعضه واستنشق بالباقي جاز وعلى عكسه لا يجوز لصيرورة الماء مستعملا والجواب عما ورد في الحديث فتمضمض واستنشق من كف واحد أنه محتمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه لا يقوم به حجة أو يرد هذا المحتمل إلى المحكم الذي ذكرناه توفيقا بين الدليلين وقد يقال أن المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين كما في الوجه وقد يقال أنه فعلهما باليد اليمنى ردا على قول من يقول يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى لأن الأنف موضع الأذى

كموضع الاستنجاء كذا في المبسوط وفيه نظر لا يخفى وأما وجه الفصل بينهما كما هو مذهبنا فما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليمامي أن رسول الله توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا فأخذ لكل واحدة ماء جديدا وكذا روى عنه أبو داود في سننه وسكت عنه وهو دليل رضاه بالصحة. انتهى

– قال في سبل السلام (1/ 76):
وعن ” علي ” – رضي الله عنه – في صفة الوضوء: «ثم تمضمض – صلى الله عليه وسلم – واستنثر ثلاثا يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء» أخرجه أبو داود والنسائي؛ هذا من أدلة الجمع، ويحتمل أنه من غرفة واحدة، أو ثلاث غرفات.
وعن عبد الله بن زيد – في صفة الوضوء – «ثم أدخل – صلى الله عليه وسلم – يده، فمضمض واستنشق من كف واحد، يفعل ذلك ثلاثا». متفق عليه.
وعن ” عبد الله بن زيد ” – رضي الله عنه – في صفة الوضوء؛ أي وضوئه – صلى الله عليه وسلم -[ثم أدخل – صلى الله عليه وسلم – يده] أي في الماء [فمضمض واستنشق] لم يذكر الاستنثار؛ لأن المراد إنما هو ذكر اكتفائه بكف واحدة من الماء، لما يدخل في الفم والأنف، وأما دفع الماء فليس من مقصود الحديث [من كف واحدة] الكف يذكر ويؤنث [يفعل ذلك ثلاثا]؛ متفق عليه هو ظاهر في أنه كفاه كف واحد للثلاث المرات، وإن كان يحتمل أنه أراد به فعل كل منهما من كف واحد، يغترف في كل واحدة من الثلاث.
والحديث كالأول من أدلة الجمع، وهذا الحديث والأول مقتطعان من الحديثين الطويلين في صفة الوضوء، وقد تقدم مثل هذا، إلا أن المصنف إنما يقتصر على موضع الحجة الذي يريده كالجمع هنا. انتهى

– جاء في شرح ابن ماجه لمغلطاي (ص: 263)

وذكر أبو عبيد في كتاب الطهور: وجدنا الآثار عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثبتة، فبعضها معناه إنهما كانا بغرفة واحدة، وفي بعضها جدد لكل واحد منها غرفة، ففي هذا شاهد أنّ الأمرين جميعًا واسعان وأنهما من سنته، وقد علمت العلماء بالرخصة منهما المبالغة. انتهى

– قال في عون المعبود (1/ 144):
والكف يذكر ويؤنث حكاها أبو حاتم السجستاني، والمشهور أنها مؤنثة، قاله السيوطي وهو صريح في الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة في كل مرة وذهب إليه بعض الأئمة (يفعل ذلك ثلاثا) أي الجمع بين المضمضة والاستنشاق ثلاث مرات (ثم ذكر) أي خالد (نحوه) أي نحو حديث مالك
وهذا الحديث أخرجه البخاري سندا ومتنا … وقال بعض أهل العلم المضمضة والاستنشاق من كف واحد يجزئ وقال بعضهم يفرقهما أحب إلينا وقال الشافعي إن جمعهما في كف واحد فهو جائز وإن فرقهما فهو أحب إلينا. انتهى

– قال في تحفة الأحوذي (1/ 100):
قوله (مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا) وفي رواية مسلم مضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا وكذلك وقع في رواية البخاري قال النووي فيه حجة صريحة للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها
انتهى وقال الحافظ في الفتح وهو صريح في الجمع في كل مرة انتهى

قلت حديث عبد الله بن زيد هذا دليل صحيح صريح لمن قال إن المستحب في المضمضة والاستنشاق أن يجمع بينهما بثلاث غرفات بأن يتمضمض ويستنشق من غرفة ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة وإليه ذهب طائفة من أهل العلم وإليه ذهب الشافعي كما هو المشهور عنه وقال الحافظ بن القيم في زاد المعاد وكان هديه صلى الله عليه وسلم الوصل بين المضمضة والاستنشاق كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثا وفي لفظ تمضمض واستنثر بثلاث غرفات فهذا أصح ما روي في المضمضة والاستنشاق ولم يجيء الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة انتهى
قلت قوله صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا هو ظاهر في الجمع بين المضمضة والاستنشاق ولذلك قال بن الملك وغيره من الأئمة الحنفية فيه حجة للشافعي وقد جاءت أحاديث أخرى صحيحة صريحة في الجمع لا احتمال فيها غيره
فمنها حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وجمع بين المضمضة والاستنشاق رواه الدارمي وابن حبان والحاكم وإسناده حسن
… كما في التلخيص الحبير للحافظ بن حجر

فظهر أن ما ذكره القاري والعيني من التأويل لا يليق أن يلتفت إليه ولذلك لم يرض به العيني نفسه حيث قال في شرح البخاري بعد ما ذكر من التأويل وفيه نظر لا يخفى والأحسن أن يقال إن كل ما روي من ذلك في هذا الباب هو محمول على الجواز انتهى
وقال بعض العلماء الحنفية في شرحه لشرح الوقاية وذكر السغناقي في النهاية بعد ما ذكر مستند الشافعي أنه عليه الصلاة والسلام كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد له عندنا تأويلان

أحدهما أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما في غسل الوجه والثاني أنه فعلهما باليد اليمنى ورده العيني بأن الأحاديث المصرحة بأنه تمضمض واستنشق بماء واحد لا يمكن تأويلها بما ذكره انتهى كلام بعض العلماء

يمكن يقال إن الفصل والوصل كلاهما ثابتان جائزان كما قال العلامة العيني الأحسن أن يقال إن كل ما روي من ذلك فهو محمول على الجواز وقد تقدم قوله هذا وقال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام ومع ورود الروايتين بالجمع وعدمه فالأقرب التخيير وأن الكل سنة وإن كان رواية الجمع أكثر وأصح انتهى

اعلم أن اختلاف الأئمة في الوصل والفصل إنما هو في الأفضلية لا في الجواز وعدمه وقد صرح به الخطيب الشافعي وبن أبي زيد المالكي وغيرهما وذكر صاحب الفتاوى الظهيرية إنه يجوز عند أبي حنيفة أيضا وصل المضمضة بالاستنشاق. انتهى

 

[ الخلاصة ]

 

  • – قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في فتح ذي الجلال والإكرام (1/ 206):
    “وعلى هذا ينبغي لنا أن نفعل هذه مرة وهذه مرة، ولكن لا شك أن أثبتها وأصحها حديث عبد الله بن زيد؛ لأنه متفق عليه والإنسان مخير، ثم إن من الناس من إذا جمع المضمضة والاستنشاق كل الثلاث في كف واحدة لا يبقى في كفه شيء، فإذا لم يبق في كفه شيء حينئذ تعذرت المضمضة والاستنشاق فنعود إلى الصفة التي دل عليها حديث عبد الله بن زيد، نأخذ كفا للمضمضة والاستنشاق، وكفا أخرى للمرة الثانية، وكفا ثالثة للمرة الثالثة”. انتهى

    – قال الشيخ الراجحي حفظه الله في شرح جامع الترمذي (4/ 6):
    “قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال بعض أهل العلم: المضمضة والاستنشاق من كف واحد يجزئ، وقال بعضهم: تفريقهما أحب إلينا، وقال الشافعي: إن جمعهما في كف واحد فهو جائز، وإن فرقهما فهو أحب إلينا]. والأمر في هذا واسع، والأفضل من كف واحدة، وهو الصواب”. انتهى

    والله أعلم

الوسوم: