شرح حديث دع ما يريبك

شرح حديث دع ما يريبك

 

عن أبي الحوارء السعدي قال قلت للحسن بن علي : ما حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه و سلم

دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة

[ أخرجه الترمذي في سننه والبيهقي في السنن الكبرى والطبراني في المعجم الكبير والدارمي في سننه واللفظ للترمذي وصححه الألباني ]

 

شرح الحديث:

قوله ( دع ما يريبك ) بفتح الياء، ويجوز يُريبك بالضم، لكن الفتح أفصح وأشهر.

و(ما) من صيغ العموم، وهي بمعنى: الذي، والريبة: الشك واللبس كما في قوله سبحانه: { ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [البقرة:2]

والمعنى يوقعك في الريب أي الشك والأمر للندب لأن توقي الشبهات مندوب لا واجب.

قوله ( إلى ما لا يريبك ) أي اترك ما تشك فيه واعدل للحلال البين لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

والمعنى اترك ما تشك فيه من الأقوال والأعمال أنه منهي عنه أولا أو سنة أو بدعة واعدل إلى مالا تشك فيه منهما والمقصود أن يبني المكلف أمره على اليقين البحت والتحقيق الصرف ويكون على بصيرة في دينه

قوله ( فإن الصدق طمأنينة ) أي يطمئن إليه القلب ويسكن.

قوله ( وأن الكذب ريبة ) أي يقلق له القلب ويضطرب.

 

كلمات لبعض العلماء

قال الخطابي رحمه الله كل شيء يشبه الحلال من وجه والحرام من وجه هو شبهة والحلال اليقين ما علم ملكه يقينا لنفسه والحرام البين ما علم ملكه لغيره يقينا والشبهة ما لا يدري أهو له أو لغيره فالورع اجتنابه. 

وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: “دَعْ الواحد الذي يريبك -يعني: الشيء الواحد الذي يريبك- إلى أربعة آلاف لا تريبك”.

يعني ابن مسعود أن الذي يريب قليل، والذي لا يريب المرء -سواء في الأقوال أو في الأعمال أو في الاعتقادات- هذا كثير ولله الحمد.

 

ما يستفاد من حديث دع ما يريبك

1_  قال بعض العلماء : المشتبهات ثلاثة أقسام :

منها ما يعلم الإنسان أنه حرام ثم يشك فيه هل زال تحريمه أم لا ؟ كالذي يحرم على المرء أكله قبل الذكاة إذا شك في ذكاته لم يزل التحريم إلا بيقين الذكاة.

والقسم الثاني: وعكس ذلك أن يكون الشيء حلالا فيشك في تحريمه كرجل له زوجة فشك في طلاقها أو أمة فيشك في عتقها فما كان من هذا القسم فهو على الإباحة حتى يعلم تحريمه

و القسم الثالث: أن يشك في شيء فلا يدري أحلال أم حرام ؟ ويحتمل الأمرين جميعا ولا دلالة على أحدهما فالأحسن التنزه كما فعل النبي صلى الله عليه و سلم في التمرة الساقطة حين وجدها في بيته فقال [ لو لا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها ] 

وأما إذا لم يكن هناك أية شبهة فيجب أن لا يلتفت إليه والتوقف فيه شكا في كونه حلالا من وسوسة شيطان إذ ليس فيه من معنى الشبهة شيء.

 

ليس للرجل الزام الناس بالورع 

2_ وليس لأحد أن يلزم الناس بما يتورع هو فيه مما ليس بمحرم

قال بعض المحققين من حكم الحكيم أن يوسع على المسلمين في الأحكام ويضيق على نفسه. 

3_ قال بعض أهل العلم: هذا الحديث شبيه بما أتى عن النعمان بن بشير مرفوعا (( فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام ))، وهما يدلاَّن على أنَّ المتَّقي ينبغي له ألاَّ يأكل المال الذي فيه شبهة، كما يحرم عليه أكل الحرام. 

4_ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وها هنا أمرٌ ينبغي التفطُّن له، وهو أنَّ التدقيق في التوقف عن الشبهات إنَّما يصلح لِمَن استقامت أحواله كلُّها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع، فأمَّا مَن يقع في انتهاك المحرَّمات الظاهرة، ثم يريد أن يتورَّع عن شيء من دقائق الشُّبَه، فإنَّه لا يحتمل له ذلك، بل يُنكر عليه، كما قال ابن عمر لِمَن سأله عن دم البعوض من أهل العراق: (يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، وسمعت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا) 

 

فوائد أخرى من الحديث

5- ومن فوائد الحديث أن الإنسان مأمور باجتناب ما يدعو إلى القلق.

6- فيه أن المسلم يكون في دينه على بصيرة ويقين.

7- وهذا الأثر المرفوع أصل عظيم من أصول الشريعة وهو أصلٌ في الورع ، أصلٌ في ترك المشتبهات، أصل في التَخَوُّف من أي نوع من الحرام. 

8- وينتبه إلى أمر هام وهو أن بعض الناس قد يأتي إلى شيء مجمع على إباحته ولكن لجهله لا يعرف الحكم الشرعي فيكون في نفسه منه شيء، وهذا لا عبرة به.

9- وصور ترك الريبة في الإسلام كثيرة، ويذكر العلماء أموراً يجب على كل مسلم أن ينظر إليها، وأن يقف عندها، فترك الريبة استبراء للدين والعرض , ونذكر المقال بعض صور الورع ينبغي التأمل فيها. 

10- وأخذ بعض العلماء منه أن المجتهد إذا لم يترجح لديه شيء من دليلين متعارضين فعليه بالأخذ بالأحوط منهما. 

 

من صور الورع

  • قصة سليمان عليه السلام حينما استعرض الخيل، واشتغل بها حتى غربت الشمس: { فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ } [ص:32-33]، والصحيح في تفسيرها أنه استعرض الخيل التي يجاهد بها في سبيل الله، لكنه شغل بها حتى غربت الشمس، وضاعت عليه صلاة العصر، فوجد في نفسه ريبة وشكاً من الخيل، فردها وتصدق بها كلها. 
  • ومنها ما جاء عن رجلين فيمن قبلنا , قال صلى الله عليه وسلم: ( كان فيمن كان قبلكم رجل اشترى أرضاً، فوجد فيها كنزاً، فذهب إلى الذي باعه فقال: هلم خذ كنزك، قال: إني بعتك الأرض بما فيها، قال: إني اشتريت أرضاً ولم أشتر كنزاً قال: وأنا بعت الأرض بما فيها .. ) إلى آخره

فالبائع يتورع أن يأخذ شيئاً لم يكن في ذهنه، والمشتري يتورع أن يأخذ شيئاً لم يكن داخلاً في العقد. 

  • وأيضا ما جاء عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا (أخرجه البخاري برقم: 2431) فتورع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل التمرة خشية أن تكون من الصدقة والصدقة تحرم على النبي صلى الله عليه وسلم.

  

المراجع:

  • الأربعين النووية بشرح ابن دقيق.
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري.
  • فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين لعبد المحسن العباد.
  • جامع العلوم والحكم لابن رجب.
  • شرح الأربعين النووية لصالح آل الشيخ.
  • شرح سنن أبي داود لعبد المحسن العباد.
  • شرح الأربعين النووية لعطية سالم.
  • مذكرة أصول الفقه للشنقيطي.