شرح حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

شرح حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

 

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

كلكم راع وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ

وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ

قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ

أخرجه الإمام البخاري رحمه الله برقم: 2409 والإمام مسلم رحمه الله برقم: 1829

 

شرح الحديث:

قوله ( كلكم راعٍ ) أي حافظ مؤتمن وملتزم بإصلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه.

ومن لا رعية له فهو راع على أعضائه وجوارحه ومسؤول عنها يصرفها في فعل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلا ونطقا واعتقادا فجوارحه وقواه وحواسه رعيته.

 

 

( وكل راعٍ مسؤل عن رعيته ) أي في الآخرة فهو مطلوب بالعدل فيه فإن وفي ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر وإلا طالبه كل أحد منهم بحقه

 

 

( فالإمام راعٍ وهو مسؤل عن رعيته ) فالأمير راع فيمن ولي عليهم هل راعى  حقوقهم أو لا من ذلك كونه يعمل ما فيه مصالحهم، وما فيه جلب الخير لهم، ودفع الضر عنهم، وإقامة أمور دينهم ودنياهم, وعليه أن يقيم الحدود والأحكام على سنن الشرع ويحفظ الشرائع ويجاهد العدو.

 

  • والإمارة على قسمين:

الأول: الإمارة العامة التي تكون للخليفة، ويكون هو المسئول الأول في البلاد

الثاني: الأمراء الذين يعينهم الإمام على النواحي أو المدن أو القرى، فإن كل واحد منهم يقال له: أمير

وكل منهم مسئول في حدود ولايته وإمارته، وبعضها يكون أوسع من بعض، وبعضها أكبر من بعض,

وهم مسئولون عن ولايتهم، ومعنى ذلك أنهم مسئولون يوم القيامة عما استرعاهم الله عز وجل عليه، ويلزم كلاً منهم النصح لمن كان والياً عليهم، فيعمل على تحصيل كل خير لهم، ودفع كل شر عنهم. 

 

 

قوله (وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ)

زوجته وغيرها ( وهو مسؤل عن رعيته ) هل وفاهم حقهم من نحو نفقة وكسوة وحسن عشرة وهذا الحديث يفسر قول الله تعالى ( قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ) [ التحريم : 6 ] أخبر عليه السلام أن الرجل مسئول عن أهله ، وإذا كان كذلك فواجب عليه أن يعلمهم ما يقيهم به النار.

 

وهذه الأمانة والمسئولية فيها جانبان:

الجانب الأول: يتعلق بالدين وحقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق العباد.

والجانب الثاني: يتعلق بالدنيا

أما الذي يتعلق بالدين: فهناك فرائض وواجبات ينبغي أن يعلمها الأبناء والبنات، وأن ينشئ كل واحد من الوالدين أولاده على معرفة هذه الحقوق والواجبات، وأن ينشئ الأبناء على القيام بها على الوجه المطلوب، سواء كانت هذه الحقوق لله جل جلاله أو كانت الحقوق للناس

[ تعليم الأبناء الصلاة والعبادات ]

فيبدأ كل من الأب الصالح والأم الصالحة بحق الله جل جلاله، فيعلم الابن الصلاة، ولا يقف الأمر عند التعليم بل ينبغي أن يحببها إلى قلبه، وأن يهيء كل الأسباب حتى تصبح الصلاة قرة عين الولد، ليأنس إليها ويرتاح إليها ويحبها ويحب أداءها والقيام بها، ويكون الأب وتكون الأم قدوة للأبناء والبنات في ذلك.

ومن حق الله جل جلاله على الوالدين أن ينشأ الأولاد على المعرفة بالله سبحانه وتعالى من توحيده والإخلاص لوجهه.

وهذا كله يكون بالكلمة الطيبة والنصيحة والقصص المؤثرة، فالأم قد تقص على بناتها قصة فيها عبرة تزيد من الإيمان، والأب قد يقص على ابنه قصة تزيد من يقينه بالله سبحانه وتعالى.

 

[ حقوق الناس وتربية الأبناء على معرفتها ]

والابن يحتاج إلى أن يُعلّم حقوق الناس، فتبدأ أول شيء بتعليمهم حقوق الوالدين، فالأب يحرص على أن الابن يكون أبر الناس بأمه، ويغرس في قلبه حب الأم وإكرامها وإجلالها، والأم أيضاً تغرس في قلب البنت والابن حب الوالد وإكرامه، وهذا يحتاج إلى فعل وتطبيق وقدوة.

كذلك يعود الأبناء والبنات على إكرام الجار، وعلى إكرام الضيف، ويعوّدون على صلة الأرحام، ويعوّدون الوفاء، وعلى محاسن العادات والأخلاق، وأول من يجني هذه الثمرة هما الوالدان، يجنيانها في الدين والدنيا والآخرة (راجع شرح زاد المستقنع)

 

[ معنى رعاية المرأة للبيت ] 

قوله ( والمرأة راعية في بيت زوجها ) بحسن تدبير المعيشة والنصح له والشفقة والأمانة وحفظ نفسها وماله وأطفاله وأضيافه ( وهي مسؤلة عن رعيتها ) هل قامت بما عليها أولاً فإذا أدخل الرجل قوته بيته فالمرأة أمينة عليه.

قال الحافظ الخطابي رحمه الله: ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك اهـ. (فتح الباري لابن حجر)

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: يجب عليها أن تكون امرأة مقتصدة فإن الاقتصاد نصف المعيشة غير مفرطة فيما ينبغي مسئولة أيضا عن أولادها في إصلاحهم وإصلاح أحوالهم وشئونهم كإلباسهم الثياب وخلعهم الثياب غير النظيفة وتغيير فراشهم الذي ينامون عليه وتغطيتهم في الشتاء وهكذا مسئولة عن كل هذا مسئولة عن الطبخ وإحسانه ونضجه وهكذا مسئولة عن كل ما في البيت اهـ. (شرح رياض الصالحين)

 

 

قوله (وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ) بحفظه والقيام بما يستحقه عليه من حسن خدمته ونصحه فإن قام به على الوجه المشروع فإنه يسلم يوم القيامة، وإن خان وغير وبدل فإنه يؤاخذ على ذلك يوم القيامة.

 

 

قوله في نهاية الحديث

( فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)

ختم الحديث بما بدأ به؛ لأنه بدأ بهذا التعميم، ثم فصل ثم ختم بالتعميم، وهذا كله لتأكيد أمر الولاية، وأن كل إنسان مسئول عما ولاه الله عليه، وما جعل إليه، وليس هذا مقصوراً على هذه الأصناف الأربعة، بل يعم كل من يكون مسئولاً عن شيء، ومن يكون والياً على شيء، سواءً كان أميراً أو موظفاً أو ما إلى ذلك، فإنه مسئول عما وكل إليه ومن يكون تحت ولايته من الموظفين.