شرح حديث من حسن اسلام المرء

  • بواسطة

شرح حديث من حسن اسلام المرء

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

حديث حسن رواه الترمذي في كتاب الزهد والحديث صححه ابن عبد البر في التمهيد (9/198) وحسنه النووي رحمه الله كما في الأربعين النووية.

معنى حديث الحسن

الحديث الحسن هو ما دون مرتبة الصحيح ولكن يحتج به كما أن الصحيح يحتج به لكن الصحيح أرفع منه من حيث ضبط الراوي وأما الحسن فقد يكون في راويه خفة الضبط وعلى كل الحديث الحسن يعمل به ويحتج به ليس كالحديث الضعيف المردود.

شرح الحديث

أي من تمام دينه تركه ما لا يعنيه من قول وفعل وأن يقصر همته على ما يعنيه من الأقوال والأفعال.

والذي يعني الإنسان من الأمور:

ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه وسلامته في معاده وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه

وأيضا معلوم أن أمور الشرع لكل مسلم بها عناية وأن فقه الكتاب والسنة لكل مسلم به عناية كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل مسلم به عناية.

وليس المراد من الحديث أن يترك ما لا عناية له بحسب الهوى وطلب النفس إنما المقصود بحكم الشرع والإسلام فليس لأحد أن يترك واجبا بقوله مما لا يعنيني وهذا يبينه قوله صلى الله عليه وسلم ( من حسن الإسلام )  والإسلام يقتضي فعل الواجبات.

ولو الناس طبقوا هذا الحديث وسلكوا هذا المسلك العظيم لحصل الوئام والوفاق والمحبة فبهذا  يستريح هو ويريح الناس.

وهذا الحديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر : (( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت )) متفق عليه.

فإنه يشابهه من بعض الوجوه.

 

حديث من حسن اسلام المرء أصل من أصول الإسلام

قال الإمام أبو داود رحمه الله : أصول السنن في كل فن أربعة … ) ذكر منها هذا الحديث

وكذلك ذكره الإمام ابن أبي زيد القيرواني المالكي المعروف حيث قال: جماع آداب الخير تتفرع من أربعة أحاديث …. ) وذكر منها هذا الحديث

 

ما جاء في ترك ما لا يعني الإنسان

قال الحسن رحمه الله : من علامة إعراض الله عن العبد: أن يجعل شغله فيما لا يعنيه (ذكره ب\ابن رجب في جامعه1/294)

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: من علم أن كلامه من عمله , قل كلامه إلا فيما يعنيه (أخرجه ابن عساكر في تاريخه:45/174)

قال الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله معلقا على كلام الإمام عمر بن عبد العزيز:

وهو كما قال فإن كثيرا من الناس لا يعد كلامه من عمله فيجازف فيه ولا يتحرى وقد خفي هذا على معاذ بن جبل حتى سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنؤاخذ بما نتكلم به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم )) .. (جامع العلوم والحكم:210)

قال مورق العجلي رحمه الله: أمر أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه ولستُ بتارك طلبه أبدا, قالوا: وما هو ؟ قال: الكفُّ عما لا يعنيني . رواه ابن أبي الدنيا.

وقال سهل التستري رحمه الله: من تكلم فيما لا يعنيه حُرِمَ الصدق وقال معروف: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله عز وجل (جامع العلوم والحكم:213)

 

وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطيها رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ابن عبد البر رحمه الله: كلامه صلى الله عليه وسلم هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة (في التمهيد:9/199)

 

من فقه حديث من حسن اسلام المرء وفوائده

  • أن الإنسان يشتغل بما فيه صلاحه في الدنيا والآخرة ويعرض عما عدا ذلك مما لا ينفعه ولا يحتاجه بل قد يضره.
  • فيه أن الدين يكون تاما ويكون ناقصا بحسب تصرفات صاحبه.
  • والمسلم يهتم بإكمال دينه ويحذر مما ينقصه.
  • وعلى المسلم أن يتذكر هذا الحديث ويجعله منهاجا له في حياته فما كان يعنيه وهو مكلف به ويحسن الدخول فيه ويترتب على دخوله فيه منفعة, عليه أن يدخل والشيء الذي ليس من شؤونه فعليه تجنبه.
  • وجاء في فضل إحسان الإسلام قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها )) متفق عليه.

فدل هذا على أن إحسان الإسلام مرتبة عظيمة وفيها فضل عظيم.

  • من فوائد الحديث أن الإسلام جمع المحاسن وقد ألف فضيلة الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله في ذلك رسالة سماها (محاسن الدين الإسلامي) ويقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: ومحاسن الإسلام كلها تجتمع في كلمتين : قال الله عز وجل { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } [النحل:90]  اهـ من شرح الأربعين النووية.
  • وفي ترك ما لا يعنيه راحة لنفسه وحفظ لوقته وسلامة لعرضه.

من الأمثلة التي يدخل فيها الناس وهي ليس من شأنهم

  • الأمور المتعلقة بولاة الأمر التي لا يدركها كل أحد إنما أهل السياسة والوزراء وولاة الأمور.
  • ومن تلكم الأمور أيضا ما يفعله بعض طلبة العلم في الدخول في بعض المسائل العلمية الصعبة التي لا يحسن الدخول فيها إلا كبار العلماء والأئمة فتجد صغار الطلاب والمتعالمين يتدخلون فيها ويحلون ويحرمون ويفتون بغير علم وبغير بصيرة فينشأ عن ذلك الفوضى والحيرة بين الناس.
  • والحديث يقول فيه أهل العلم عام يشمل ما يتصل بفضول العلوم التي لا تنفعه وبفضول المعاملات وبفضول العلاقات ونحو ذلك مما لا نفع فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة , وأيضا ينتبه في هذا إلى الكلام لأن اللسان هو مورد الزلل.
  • وأيضا لا يسأل المسلم أسئلة ليس لها داع ولا فائدة فيها.
  • ولا نبحث عن أخبار الناس بما ليس له داع, هذا فعل وهذا ترك وهذا ذهب وهذا جاء .. إلى آخره, هذا كله مذموم ويسلب عن العبد حسن الإسلام إذا غلب عليه.أحد إنما أهل ال

هل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو من ترك ما لا يعنيه

الجواب : لا وقد سبق الإشارة  إلى هذا لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يعني الإنسان كما قال الله عز وجل : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } [آل عمران:104] فلو رأيت إنسانا على منكر وقلت له: يا أخي هذا منكر لا يجوز , فليس له الحق أن يقول لك: هذا لا يعنيك , لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني الأمة الإسلامية كلها.

ومن ذلك أيضا: ما يتعلق بالأهل والأبناء والبنات فإنه يعني راعي البيت ورب الأسرة أن يدلهم على الخير ويأمرهم به ويحذرهم من الشر وينهاهم عنه قال الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } [التحريم:6]

وسبق تفصيل هذا في المقال التالي: شرح حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

 

ملاحظة:

من أعجبه المقال أرجو نشره بين أوساط الناس وبين الإخوة والأخوات والأصدقاء والأقارب ونشره في المواقع التواصل الإجتماعي مع احتساب الأجر والنية الحسنة واسأله سبحانه أن ينفع به وبما كتبنا وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين. 

 

المراجع والمصادر:

جامع العلوم والحكم لابن رجب.

الأفنان الندية شرح الأربعين النووية.

فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين.

شرح الأربعين النووية لابن عثيمين.

شرح الأربعين النووية لصالح آل الشيخ.

المنحة الربانية في شرح الأربعين النووية.

المنهج المبين في شرح الأربعين.

المعين على تفهم الأربعين النووية.