من تعار من الليل

كنوز الليل

” حديث من تعار من الليل ” نموذجاً

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين .

وبعد…

فإن كتابة مقال ما في أحد الموضوعات له أهون من كتابة مقال حول حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ٬ إذ الأمر يتعلق بخاتم الأنبياء وإمام المرسلين ٬ وكلامه صلى الله عليه وسلم بمثابة وحي ثان ٬ إذ أجمع علماء الإسلام على أن السنة مبينة لما أُجْمِلَ في القرآن الكريم ٬ وأن العمل بها طاعةٌ لله ولرسوله ٬ كما قال الله تعالى : ” وَمَن يُطِعِ الَّرسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله “[1] .

فلهذا لا يمكن في هذا المقال أن نقول أننا نشرح حديثاً ٬ أو نستنبط حكماً يتعلق بأمر المكلفين ٬ ولكن ومن رحمة الله بعباده أن جعل لهم في سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم مجالاً لاستخدام عقلهم وتدبر ما فيها من المعاني والحِكَم ٬ والعمل بها طاعةً وحباً ورغبةً بها ٬ وامتثالاً لأمر الله وأمر رسوله ٬ ولعل ما صنفه المحدثون في كتبهم وبوّبوا له الأبواب ٬ لكفيل بأن يفتح لنا مجال العمل واستنباط الحِكَمِ والعبر ٬ ومن بين أبرز الأحاديث التي يمكن للإنسان عامة ٬ والمسلم خاصة ٬ أن يُفَجِّرَ ينابيع الحكمة منه

 

حديث عبادة بن الصامت كما جاء في صحيح البخاري وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من تعار من الليل ٬ فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ٬ له الملك وله الحمد ٬ وهو على كل شيء قدير ٬ الحمد لله ٬ وسبحان الله ٬ ولا إله إلا الله والله أكبر ٬ ولا حول ولا قوة إلا بالله ٬ ثم قال: اللهم اغفر لي ٬أو دعا ٬ استجيب له٬ فإن توضأ وصلى قبلت صلاته”[2]

فهذا حديث عظيم في باب فضائل الأعمال ٬ وترغيب للمسلم في جعل ذكر الله تعالى في جميع شؤونه ٬ إذ هو الحصن الحصين ٬ والسد المنيع ٬ والحافظ لعبده مما يعتريه بسبب ضعفه قال الله تعالى: ” وخُلِقَ الإنسان ضعيفاً”[3] وتقتضي طبيعة المقال أن يأتي في مقدمة وفصل جامع وخاتمة سائلاً المولى عز وجل التوفيق والسداد.

 

فصل جامع:  

الآداب العامة

وفيه ثلاث مباحث:

المبحث الأول: أدب النوم

المبحث الثاني: أدب من تعار من الليل

المبحث الثالث فضل الذكر

 

المبحث الأول: أدب النوم

إن المتأمل للإسلام وقواعده وضوابطه وأحكامه يعلم جيدا علم اليقين أن هذا الدين قد أحاط بجميع نواحي الحياة الإنسانية ونظم تعاملاتهم وأعمالهم وحتى حياتهم الخاصة وكيف ذلك وقد تكفل الله بحفظه وجعله العلامة الفارقة بين الكفر والإيمان والهداية والضلال وأصحاب النار وأصحاب الجنة فمن بين آدابه

1 – عدم النوم قبل العشاء والحديث بعدها: ففي الصحيحين : “عن أبي برزة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها”[4]

[من تعار من الليل ]

 2 – الوضوء قبل النوم: ففي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:” قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وُضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شِقِّك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، وبنبيِّك الذي أرسلتَ، فإن متَّ مِن ليلتك فأنتَ على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلَّم به»، قال: فرددتها على النبيِّ صلى الله عليه وسلم فلما بلغت: اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» [5]

 روى أحمد – بسند حسن – عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «ما مِن مسلم يَبِيت على ذِكْرٍ طاهرًا، فيتعارَّ مِن الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه»[6]

3 – نفض الفراش قبل النوم عليه، والاضطجاع على الجنب الأيمن: ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أوى أحدُكم إلى فراشه، فليأخذ داخِلَة إزارِه، فلينفض بها فراشه، وليُسمِّ الله؛ فإنه لا يعلم ما خَلَفَه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقِّه الأيمن، وليقُلْ: سبحانك اللهم ربي، بك وضعتُ جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفِر لها، وإن أرسلتَها فاحفَظْها بما تحفَظُ به عبادَك الصالحين» [7]

 4 – جمع الكفَّينِ وقراءة المُعوِّذات مع النَّفْث والمسح على الجسد ثلاثًا: روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها:” أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفَّيه، ثم نفث فيهما، فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع مِن جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ يفعل ذلك ثلاث مرات ” [8]

 5 – قراءة آية الكرسي عند النوم: روى البخاري – مُعلَّقًا – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ” وكَّلني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام، فأخذتُه، وقلت: والله، لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني مُحتاجٌ وعليَّ عيالٌ ولي حاجة شديدة، قال: فخلَّيتُ عنه، فأصبحت، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك البارحة» ، قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجةً شديدة وعيالًا، فرحِمتُه، فخلَّيت سبيله، قال: «أما إنه قد كذَبَك، وسيعود»، فعرَفتُ أنه سيعود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دَعْنِي؛ فإني مُحتاجٌ وعليَّ عيال، لا أعود، فرحِمتُه فخلَّيت سبيلَه، فأصبحتُ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرُك؟» ، قلت: يا رسول الله، شكا حاجةً شديدةً وعيالًا فرحمته فخلَّيت سبيله، قال: «أمَا إنه قد كذَبَك وسيعود»، فرصدتُه الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دَعْنِي أُعلِّمْك كلمات ينفعُك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أَوَيتَ إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي:  {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنَّك شيطان حتى تُصبِح، فخلَّيتُ سبيله، فأصبحتُ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما فعل أسيرك البارحة» ؟، قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها، فخلَّيت سبيله، قال: «ما هي» ؟ قلت: قال لي: إذا أَوَيت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}  وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تُصبِح – وكانوا أحرصَ شيء على الخير – فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أمَا إنه قد صدقك، وهو كذوب، تَعْلم مَن تُخاطِب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة» ؟ قال: لا، قال: «ذاك شيطان»[9]

 

[من تعار من الليل ]

 

 6 – التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم: ففي الصحيحين عن عليٍّ أن فاطمة رضي الله عنها أتتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرَّحى، وبلغها أنه جاءه رقيقٌ، فلم تصادِفْه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرَتْه عائشة، قال: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: (( «على مكانِكما» ))، فجاء فقعَد بيني وبينها، حتى وجدت بَرْدَ قدمَيْه على بطني، فقال: «ألا أدلكما على خير مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما، أو أويتما إلى فراشكما، فسبِّحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبِّرا أربعًا وثلاثين؛ فهو خير لكما من خادمٍ»[10]

 7 – إطفاء (البوتاجاز) ونحوه عند النوم: ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تترُكوا النارَ في بُيوتِكم حين تنامون»[11]    وفي الصحيحين أيضًا عن أبي موسى قال: احترق بيتٌ على أهله بالمدينة مِن الليل، فلما حُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم، قال:  «إن هذه النار إنما هي عدوٌ لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم»[12]

 8 – إغلاق الأبواب وتغطية الآنية عند النوم: ففي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: (( «إذا استجنح الليل» – أو قال: «جُنح الليل» – «فكفُّوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعةٌ من العِشاء فخلُّوهم، وأغلِق بابك واذكُرِ اسمَ الله، وأطفِئْ مصباحك واذكُر اسم الله، وأوكِ سِقاءك واذكُرِ اسم الله، وخمِّر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرُضُ عليه شيئًا»[13]  روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «غطُّوا الإناء وأوكوا السقاء؛ فإن في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يمر بإناء ليس عليه غطاءٌ، أو سقاء ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه مِن ذلك الوباء»[14]

 9 – الوضوء للجنب إذا أراد أن ينام: ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ” كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ غسَل فرجَه وتوضَّأ للصلاة”[15]     وفي الصحيحين أيضًا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيرقُدُ أحدنا وهو جُنُب؟ قال: «نعم، إذا توضَّأ أحدكم فليرقُد وهو جُنُبٌ»[16]

 10 – عدم النوم على البطن: روى الترمذي – بسند حسن – عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا مضطجعًا على بطنه، فقال: «إن هذه ضِجْعَة لا يحبُّها الله»[17]

 11 – ذكر الله عند الاستيقاظ: روى البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «مَن تعارَّ من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفِرْ لي، أو دعا – استُجِيب له، فإن توضَّأ وصلَّى قُبِلَت صلاته» [18]

المبحث الثاني: أدب من تعار من الليل

عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته ” أخرجه البخاري برقم (1154)

قوله: ((من تعار)) بتشديد الراء. أي: انتبه، مع صوت من استغفار، أو تسبيح، أو نحوه. وهذا حكمة العدول إليه عن التعبير بالانتباه، فإن من هبَّ من نومه، ذاكرًا لله تعالى وسأله خيرًا، أعطاه، وإنما يكون ذلك لمن تعود الذكر واستئناس به، وغلب عليه حتى صار حديث نفسه في نومه ويقظته، قالوا: وأصل التعار: السهر والتقلب على الفراش.

قال ابن بطال: هو حديث شريف القدر، وفيه ما وعد اللَّه عباده على التيقظ من نومهم، لهجة ألسنتهم بشهادة اللَّه بالوحدانية والربوبية والإذعان له بالملك والاعتراف له بالحمد على جميع نعمه التي لا تُحصى، رطبة أفواههم بالإقرار له بالقدرة التي لا تتناهى، مطمئنة قلوبهم بحمده وتسبيحه وتنزيهه عما لا يليق بالإلهية  من صفات النقص، والتسليم له بالعجز عن القدرة عن نيل شيء إلا بقدرته، فوعد بإجابة من دعاه وقبول صلاته، وهو تعالى لا يخلف الميعاد، فينبغي لكل مؤمن بلغه هذا الحديث أن يغتنم العمل به، ويخلص نيته أن يرزقه اللَّه حظًّا من قيام الليل، فمن رزقه اللَّه حظًّا من قيام الليل فليكثر شكره ويسأله أن يديم له ما رزقه [19]

ترك ذكر الثواب؛ ليدل علي ما لا يدخل تحت الوصف، كما في قوله تعالي: {تتجافي جنوبهم عن المضاجع- إلي قوله- فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}. [20]

قوله: (من تعار من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وهذا ثناء على الله عز وجل فيه الاعتراف بأُلوهيته، وأنه هو الإله الحق وحده لا شريك له الذي لا تكون العبادة إلا له، و (لا) نافية و (إله) اسمها فهي نافية للجنس أي: نافية لجنس الإله، إلا أن يكون بحق وهو الله سبحانه وتعالى، والتقدير لا إله حق إلا الله، ولا يكون التقدير لا إله موجود فإن هذا كلام غير صحيح؛ لأنه مخالف وغير مطابق للواقع؛ لأن الآلهة موجودة مع الله من ناحية الوجود، وتعبد من غير الله، لكن الآلهة التي تعبد من غير الله تعبد بغير حق.

[من تعار من الليل ]

فإذاً: (لا إله حق إلا الله) هذا هو الذي يستقيم به المعنى ويكون مطابقاً للواقع، أما إذا قدر لا إله موجود فإنه يكون باطلاً وغير مطابق للواقع ويكون كذباً؛ لأن الآلهة والمعبودات التي يعبدها المشركون والكفار موجودة، منهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد الجن ومنهم من يعبد الشجر ومنهم من يعبد الحجر وكل هذه أمور موجودة، ولكن المعبود بحق والإله بحق هو الله سبحانه وتعالى.

قوله: [(لا إله إلا الله وحده لا شريك له)] كلمة (وحده) مؤكدة لـ (إلا الله)، و (لا شريك له) مؤكدة للنفي في (لا إله) لأن (وحده لا شريك له) تعادل (إلا الله) ومعناها: لا شريك لله بل هو الإله وحده.
إذاً: فالجملة الأخيرة مؤكدة للجملة قبلها وهي لا إله إلا الله إلا أنها مقلوبة ليست على الترتيب الأول، وهي مؤكدة للإثبات الذي في الآخر فصار التأكيد في الإثبات متصلاً بعضه ببعض (إلا الله وحده).

قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) أي: فهو مالك الملك وهو الذي بيده الملك وهو الذي يحمد على كل حال.

قوله: (وهو على كل شيء قدير) أي: لا يعجزه شيء، بل هو قدير على كل شيء سبحانه وتعالى، وهذا لفظ عام لا يستثنى منه شيء، وأما قول المتكلمين المتكلفين: وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر، فهذا من التكلف، نعم.
ذات الله شيء، لكنها لا تدخل تحت قوله: وهو على كل شيء قدير، مع ما يدخل تحت قدرة الله عز وجل في كونه يوجد ويميت ويحيي.
وتفسير الجلالين مع اختصاره ووجازته ما سلم من مثل هذا التكلف، فإنه عند ختام سورة المائدة وهي: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:120] قال: وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر، مع أنه مختصر جداً ومع ذلك يأتي بهذا الباطل ويحافظ عليه ولا ينسى، مع أنه تكلف وكلام باطل.

قوله: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوله إلا بالله)هذه خمس جمل: سبحان الله: وهي تنزيه لله عز وجل، والحمد يأتي للإثبات، فهناك تنزيه وإثبات، فالمحامد هي إضافات تضاف إلى الله عز وجل، وأما سبحان فإنه تنزيه لله عز وجل عما لا يليق به؛ ولهذا يأتي كثيراً في بعض الأحاديث: (سبحان الله وبحمده) فيجمع بين التسبيح والتحميد؛ لأن هذا تنزيه وهذا إثبات، هذا نفي وهذا إثبات، فيكون الإنسان جامعاً بين هذا وهذا.
ولا إله إلا الله هذه كلمة الإخلاص وكلمة التوحيد.
ولا حول ولا قوة إلا بالله، يعني: أن الإنسان يبرأ من الحول والقوة، وأنه لا يحصل ذلك إلا بالله ولا يقدر على ذلك إلا بإقدار الله، وأن كل شيء يرجع إلى قدرة الله وإلى مشيئة الله وإرادته، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكما قال عليه الصلاة والسلام في وصيته لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، ثم ما يحصل عن طريق الناس من الإحسان هو من الله عز وجل الذي سخرهم، وهو الذي وفقهم لأن يحصل منهم الإحسان لمن حصل منه الإحسان، وهو الذي وفق لدفع الشر ممن فيه شر عن وصول الشر إلى من يريدون إيصاله إليه، فالله عز جل إذا شاء شيئاً وجد سواء كان خيراً أو شراً، لا يقع في ملك الله إلا ما شاءه الله.
فلا يقع في الوجود شيء إلا بمشيئته وإرادته، سواء كان نافعاً أو ضاراً.
والله أكبر تعظيم لله عز وجل، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم من كل شيء، وكل شيء ضئيل أمام عظمته وكبريائه سبحانه وتعالى.

قوله: (ثم دعا: رب اغفر لي) يأتي كثيراً في أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم التمهيد للطلب والدعاء بتعظيم الله عز وجل وتقديسه وتنزيهه وتمجيده والثناء عليه، وهذا من أسباب قبول الدعاء، مثل ما جاء في قصة الرجل الذي دعا دون حمد وثناء، فقال عليه الصلاة والسلام: (عجل هذا) حيث دعا ولم يحمد الله ولم يصل على رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا شرع في صلاة الجنازة قبل الدعاء للميت في الصلاة قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، والصلاة على النبي صلى عليه وسلم بعد التكبيرة الثانية، ثم الدعاء بعد الثالثة، فيكون قد سبق بشيء هو من أسباب قبول الدعاء، فهديه عليه الصلاة والسلام أنه في كثير من الأدعية تكون الأدعية مسبوقة بحمد وثناء وتمجيد وتعظيم وتنزيه لله سبحانه وتعالى.
(قال الوليد أو قال: دعا استجيب له).
يعني أن الوليد قال: دعا، وما قال: رب اغفر لي، فهو شك، هل قال هذا أو قال هذا، فكلمة (دعا) عامة، وكلمة (رب اغفر لي) دعاء خاص وهو طلب المغفرة.

قوله: (فإن قام فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته).
يعني: فإن حصل منه أن قام من الليل وذكر الله بهذا الذكر ثم قام وتوضأ وصلى قبلت صلاته؛ لأنه أخذ بأسباب القبول، حيث وجد منه هذا الذكر وهذا الثناء على الله عز وجل، ثم أضاف إلى ذلك أن هب من نومه فتوضأ وصلى، فتقبل صلاته.

قوله: [(من تعار من الليل)] يدخل في هذا ما إذا استيقظ من غير إرادة منه، أو عمل شيئاً ينبهه ليقوم، فكل ذلك داخل؛ لأن كله استيقاظ سواء كان بسبب أو بغير سبب.

[ من تعار من الليل ]

المبحث الثالث: فضل الذكر

الحديث عن فضل الذكر قد يطول به المقام ولكن كي لا نُغفل الفضل الذي فيه نستشهد بموضوع حديث مقالتنا

فقول صلى الله عليه وسلم : ” من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ٬ له الملك وله الحمد ٬ وهو على كل شيء قدير ٬ الحمد لله ٬ وسبحان الله ٬ ولا إله إلا الله ٬ والله أكبر ٬ ولا حول ولا قوة إلا بالله ” حيث يُرشِدُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُمَّتَه إلى دُعاءٍ جامعٍ نافعٍ يَقولُه المؤمنُ إذا تعَارَّ مِن اللَّيلِ، أي: استيقَظَ وهبَّ مِن نَومِه وتَقلَّبَ على الفِراشِ لَيلًا، فإذا أصابَ الإنسانَ أرَقٌ وقلَقٌ أثناءَ نَومِه، ولم يَستطِعْ أنْ يَنامَ فهبَّ واستيقَظَ، فعليه أنْ يُثنِيَ على اللهِ عزَّ وجلَّ بتَوْحيدِه سُبحانه، ونَفْىِ الشَّريكِ معَه، فلا مَعبودَ بحقٍّ غيرُه، ولا شَريكَ ولا نِدَّ له سُبحانه وتعالَى، ثمَّ يُثبِتَ المُلكَ المُطلَقَ له سُبحانه؛ فهو الخالقُ المُتصرِّفُ في مُلْكِه، وله الحَمدُ الكامِلُ على جَزيلِ نِعَمِه الَّتي لا تُحصَى، والقُدرةُ التَّامَّةُ له سُبحانَه وتعالَى، فلا يُعجِزُه شَيءٌ في مُلْكِه. ثمَّ يَحمَدَ اللهَ تعالَى، وهو وَصفٌ للمَحمودِ بالكَمالِ معَ المَحبَّةِ والتَّعظيمِ؛ فهو المُستحِقُّ لإبداءِ الثَّناءِ وإظهارِ الشُّكرِ، ثمَّ يُسبِّحَ بقَولِ: «سُبحانَ اللهِ»، وهو تَنْزيهٌ للهِ عزَّ وجلَّ عَن كلِّ النَّقائصِ. ثمَّ يقولَ: «واللهُ أكبَرُ»، وفيها معنى العَظمةِ للهِ تعالَى، وأنَّه أعْلَى وأكبَرُ مِن كلِّ شَيءٍ، وقولُه: «ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ» وهي: كَلِمةُ استِسْلَامٍ وتَفْويضٍ للهِ تعالَى، واعتِرافٍ بالإذْعانِ له، وأنَّ العَبْدَ لا يَملِكُ شيئًا مِن الأمْرِ؛ فلا حِيلةَ ولا تحوُّلَ ولا حَركةَ لأحدٍ عن مَعصيةِ اللهِ تعالَى إلَّا بمَعونةِ اللهِ سُبحانَه، ولا قُوَّةَ لأحَدٍ على إقامةِ طاعةِ اللهِ تعالَى والثَّباتِ عليها إلَّا بتوفيقِ اللهِ عزَّ وجلَّ.

الخاتمة

وختاماً فإن الله تعالى جعل الليل سكنًا وراحة للناس، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 10-11]. والنوم وفاة بعدها حياة لمن شاء الله، قَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الزمر: 42

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا استَيقَظَ مِن نَومِهِ قَالَ: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ”.

وللنوم آداب نبوية، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى اللهُ عليه وسلم ينبغي للمسلم الالتزام قدر المستطاع ولا يغفل عنها امتثال لأمر الله تعالى ” وما آتاكم الرسول فخذوه “

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

وننصحك أيضا بقراءة مقالة : من تعار من الليل

المصادر والمراجع

 سورة النساء الآية 80[1]

 حديث صحيح رواه البخاري وغيره من حديث عبادة بن الصامت[2]

 سورة النساء الآية 28[3]

 متفق عليه رواه البخاري(568) ومسلم (648)[4]

 متفق عليه رواه البخاري (247) ومسلم (2710)[5]

 حسن رواه أحمد (22048- 22049/ رسالة) وأبو داود (542) بإسنادين أحدهما حسن[6]

 متفق عليه  رواه البخاري (6320) ومسلم (2714)[7]

 رواه البخاري (5018) [8]

 رواه البخاري معلقاً مجزوماً به ووصله النسائي في عمل اليوم والليلة (959) بسند صحيح[9]

 متفق عليه رواه البخاري (5361) ومسلم (2727)[10]

 متفق عليه رواه البخاري 6293) ومسلم (2015)[11]

 متفق عليه رواه البخاري (6294) ومسلم (2016)[12]

 متفق عليه رواه البخاري (2380) ومسلم (2012)[13]

 رواه مسلم (2014)[14]

 متفق عليه رواه البخاري (288) ومسلم (305)[15]

 متفق عليه رواه البخاري (287) ومسلم(306)[16]

 حسن رواه أحمد (8028) والترمذي (2768) بسند حسن وصححه الألباني وحسنه الأرناؤوط.[17]

 رواه البخاري (1154)[18]

 شرح ابن بطال ج3/ص 148[19]

 شرح المشكاة للطيبي[20]

[من تعار من الليل ]